أن تكوني “سعودية نجدية منقبة”

إيمان القويفلي – صحيفة الوطن السعودية

سعوديات

سعوديات

في الشارع، قد تضطر المرأة السعودية المحجبة إلى الاعتذار عن عدم انتقابها. أمام الإعلام، قد تضطر المرأة السعودية المنقبة للاعتذار عن نقابها. أما ما يلتقي عليه الموقفان كلاهما فهو المشغوليّة الفائقة بما تفعله المرأة بوجهها. من التقليدي أنّ للشارع تقاليد تقيّد حضور المرأة فيه، لكن حضور المرأة المتزايد في الإعلام أبرز ميل هذا الوسط إلى وضع توقعات – توقعات لا تقاليد – تتعلق أيضا ً بمظهر المرأة.

عندما تحضر المرأة السعودية في الإعلام وتكون باقية على نقابها، يمكنها أن تسمع تنهيدة خيبة الأمل فيها هنا أو هناك، ربما لأن هذا الإعلام متحمس لإقناع الشارع بتبنّي خياراتٍ فقيهّة جديدة، وربما لأن الوجه الإنساني هو الموضوع الطبيعي للكاميرا، وربما لأن وجه المرأة الـمُبتسم يضفي لمسة عصرية برّاقة على مشهد الدولة النامية، أو ربما لأن “صورتها” تبيع أكثر. هذا الاندفاع – وربما الانتفاع – قد يأخذ الصحيفة إلى حدّ الإصرار على نشر صورة امرأة معينة، حتى عندما لا تكون هذه الصورة رسمية، حتى عندما يكون هذا رغما عن المرأة ذاتها، وحتى عندما تناشد هذه المرأة الصحف والمواقع مرة بعد مرة أن تتوقف عن فعل ذلك! (يبدو أن مجلة TIME فقط هي من استجاب للمناشدة!). تصرّف غير مهنيّ أقل ما يقال فيه أنه شراهة هوجاء للنشر لا تحترم المرأة ولا خياراتها. يفعلون هذا على أساس أن على المرأة أن تكون متحررة شجاعة وتجابه المجتمع بقناعاتها حول الحجاب والنقاب، لِمَ لا؟ بينما لن يجرؤ الرجال المسؤولون عن نشر الصورة على وضع أنفسهم في موقف مشابه بإزاء المجتمع، وسيفضّلون البقاء شكلياً في الظلال الآمنة للعادات والتقاليد العريقة.
دائماً كانت حالة خلع العباءات على متن الطائرات السعودية المسافرة إلى الخارج، موضوعاً مفضلاً للكتابة على أساس أنها “يا للمفارقة!”. أما الآن فمن المألوف للمرأة أن تلاحظ حالة المرجحة في المجتمع النسائي بين الحجاب والنقاب داخل البلاد. كنت أرصد هذه على أنها تصرفاتٍ فرديّة عفوية تعود إلى الارتباك العميق والتشوّش عند المرأة والمجتمع ككل، الذي تخلقه المواجهة الحتمية مع مفردات العالم الحديث، كما في مرور المرأة المنقبة بجوازها مكشوف الوجه عبر الحدود، أو اكتفاؤها بالحجاب في الخارج، أو استبدال العباءة بالبالطو عندما تكون طبيبة، أو توفر ندلاً رجالاً فقط لخدمتها أثناء تناول الغداء في مطعم. لكن شيئا ً غير مُريح أظل أشعر به في مُجمَل الحالة، المرأة تبدو متلوّنة ومتقلبة وليست أكثر من مجرّد مرآة لما يقبله ولا يقبله الآخرون، ولا تملك حقيقتها الخاصة بها. ألا تشعر بشرخ في ذاتها؟ بفجوة هائلة بين صورها؟ ألا تفتقر نفسها إلى الطمأنينة والشعور بالتوحّد والانسجام؟ إنها لا تسبب ربكة لنفسها فقط، بل للآخرين. مع تزايد حضور المرأة في المجال العام يلجأ عدد أكبر منهنّ إلى المرجحة فيه، فهي مُحجبة في الاجتماعات مع كبار التنفيذيين، منقبة خلال العمل اليومي، منقبة في المشاوير الخاصة، مُحجبة في المؤتمرات. لا يعود الآخرون يعرفون حالتها الافتراضية (Default) التي تعترف بها رسميا ً. وتربكهم أكثر عندما تندفع فجأة لتؤكّد محافظتها واحتشامها، رغم أن أحداً لم يسألها عن ذلك، لكنها تجيب لأن السؤال موجود في أعماقها هي. عندما تُنشأ المرأة في التقاليد الأكثر تحفظا ً فإنها تظل رهينة الألم العميق كلما ابتعدت خطوة عن هذه التقاليد، حتى وإن كانت مقتنعة بخطوتها عقلياً وأخلاقياً، تظل تشعر بنوع من الغريزية الاجتماعية العمياء، أنها تخلت عن مكانة عُليا، وارتضت لنفسها ما هو أدنى.
“المحافظة” ليست كلمة محايدة. ليست مجرد خيار اجتماعي بين خياراتٍ أخرى متساوية. “المحافظة” في مجتمع محافظ هي الخيار الاجتماعي الأعلى والأسمى والأكثر كمالاً وأصالة. يمكن لامرأة أن تصف نفسها بـ”سعودية” أو “نجدية” أو “محافظة” وأن تكون كل صفة من هذه صحيحة، لكنها عند خلطها في جُملة واحدة تتحول إلى تركيبة مُتفجّرة، خاصة عندما تُستبدل كلمة “محافظة” بـ”مُنقبة” في تصريح آخر. تتركّب صورة يتطابق فيها النقاب مع المحافظة مع العرق النجدي مع الجنسية السعودية، وتُستكمل الصورة عند ردود المحافظين “غير النجديين” الغاضبة. ينفتح الباب على مصراعيه على التباين المناطقي الغائر في نفوس الجميع حتى من هو مثقف أو تكنوقراط. يبرز انقياد المثقف والتكنوقراط بلا وعي للمسلمات الشعبية، رغم أن واجب المثقف هو التوقف وفحص المسلمات. كيف يمكن أن يكون النقاب “سعودي الجنسية” وهو منتشر الآن في الخليج، اليمن، مصر؟ هل المرأة السعودية “المحجبة” غير محافظة؟ هل يمكن اعتبار النقاب خصيصة نجدية بعد 50 عاما ً من التعليم الحكومي للبنات الذي يلزم التلميذات بالنقاب في جميع أرجاء البلاد؟ هل تؤمن بأن مظهر المرأة هو المقياس الوحيد للمحافظة والتحرر؟ هل يعني هذا قبولاً ضمنياً بأن المرأة التي تلبس عباءتها على الرأس أفضل من التي تلبسها على الكتف، والتي تلبس القفازات أفضل من التي لا تلبسها، والمنقبة أفضل من المحجبة،….إلخ؟ هل يهم أن يكون التكنوقراط محافظين؟ هل يشعر المثقف السعودي بالإهانة عندما تضعه التصانيف خارج الفئة المحافظة؟ هل هو مؤمن بهذه التصانيف؟
قد يبدو هذا كثيراً لكنه ليس كذلك في الواقع، إنه التدقيق والحساسية التقليديان اللذان يحيطان وسيحيطان دوماً بتصريح السياسي أو التكنوقراط. إنه لا يتكلم ولكن يُـتكلّم من خلاله، وعندها يسمعه الناس كلهم، بتباينهم الشخصي والثقافي الشديد وتوقعاتهم العالية. وعندما تقع المرأة ضمن هذا الظرف المعقد، لا يبدو أن هناك مخرجاً إلا أن تلتزم القاعدة القديمة وتكتفي بتقديم نفسها بأقل قدر من الكلمات: كـ”أنا منقبة”، ونقطة على السطر، وينغلق باب التأويل، وننشغل بأمر آخر.

9 تعليقات »

  1. هيفاء Said:

    لم تذكر رأيك الشخصي !
    فيه اماكن لو لبست المرأه الحجاب تهجمت عليها الهيئه
    و بالتالي تضطر ان تلبس النقاب رغم عدم اقتناعها
    و فيه مجتمعات تقلل من شأن المحجبه و ترى انها فاجره فيجب مراعاة المكان

  2. 5osh wa7ed Said:

    رأيي الشخصي هو :

    أن مجتمعنا و للأسف بالغالب يحكم على الشخص “سواءً رجل أو امرأة” من ناحية المظهر الخارجي دون النظر للجوهر الداخلي , فنرى الملتحي صاحب الثوب القصير من السلف الصالح و نحن لم نعرف جوهره الداخلي!!!! فكم عرفت من هذا النوع و الصدمة عندما اتعرف على جوهره الداخلي , و كم عرفت رجل “حليق” محافظ على صلاته و أمور دينه أكثر من بعض الذين نعتقد انه من السلف الصالح , لا نعمم مشكلتنا التعميم .

    بالعودة للمرأة , اعتقد من وجهة نظري الشخصية و لا ادري ما تشعرن به , بل حتى لا أعلم ما يشعرن به اخواتي و أمي , ولكن أنا أرى أن المرأة في مجتمعنا تعاني من مسألة نظرة المجتمع المرأة تبقى مرهونة بنظرة المجتمع لمظهرها , فـ للأسف المجتمع لا يرحم , لذلك تجد بعضهن عندما تكون في مدينة ساحلية -بالمملكة و الخليج لا نذهب بعيداً- تكتفي بالحجاب و عندما تكون في مدينة جافة كـ الرياض -و لا أحصر الرياض هنا فقط!!- تجدها تتنقب , أُرجى هذه المسألة إلى نظرة المجتمع و أؤكد على أنه لا يجب الحكم فقط من المظهر , فكم من نساء محجبات , يتعرضن لمعاكسات من الشباب فيقفن لهم وقفة الرجال الأشاوس لصدّهم و كم من نساء منقبات يتعرضن للمعاكسات بكل رحابة صدر و أريحية بل إن لم تكن هي من تعاكس أولاً …

    يا أخواني لنترك التعميم جانباً و لننظر إلى الجوهر الداخلي لا المظهر الخارجي .. أرجوكم .

    هذه وجهة نظري اختي هيفاء 🙂

  3. نايف Said:

    خخخخخخخخخخخخ على ردك

  4. 5osh wa7ed Said:

    ههههه أخوي نايف رغم انني لا ادري لماذا ضحكت على ردي و لكنني سعيد بأنني زرعت إبتسامتك من خلال ردي , عموماً سعدت بردك , و لا تخف لن يأتي اليوم الذي سأمتنع من الموافقة على ردودك , من باب المصداقية المرجوة في التدوين , و أنصحك بعدم تغيير اسمك في كل مرة و انت فاهم قصدي بالطبع 😀

  5. deem89 Said:

    “المرأة تبدو متلوّنة ومتقلبة وليست أكثر من مجرّد مرآة لما يقبله ولا يقبله الآخرون”

    فعلا.!
    شي يحزن 😦

  6. aisha Said:

    يؤلمني أننا اكثر “نساء” العالم تقلبا , ولا نشبه لنا بالخارج ابدا !
    لدرجة ان بعضهم يسألنا “انتي سعودية” ليتأكد من صحة معلوماته عن اللغه او الاشباه ! دون الرجوع للمظهر الخارجي لأنه وبكل تأكيد يختلف !
    تصدق اننا الدوله الوحيدة التي تضع “العبائه” من ظمن القوانين !
    واننا الدوله الوحيده اللي مذيعاتها بالتلفزيون لا يعكسون شكل المجتمع ! وان من قوانين الظهور في قناتنا المحلية “فتح الوجه !”
    عندما اصر على حجابي “في كل مكان بالعالم” تحت شعار “الله هنا زي ماهو هناك” يضحكن علي بعض الصديقات “يختي العادات والتقاليد مهمه , بعدين ما تعرسين !” واستغرب من المعرس الذي ينظر للبنت في نطاق مجتمعه ولا يكلف نفسه يشوفها بره ولو مره وهي “بـ ولا شي ع البحر !” وهنا تلقاها منقبه او ملتثمه او …الخ من مظاهر اجتماعيه واجبه !

    الى متى واحنا نلقن عيالنا ان الحجاب واجب اجتماعي فقط !
    لدرجة ان كثير من الاشخاص السعوديين يغفلون عن كونه “عباده” وواجب ديني لا تساهل فيه !

    ربنا ردنا اليك ردا جميلا 😦 والله يصلح الحال …

  7. 5osh wa7ed Said:

    @ deem89 :

    شاكر مرورك اختي ديمة 🙂 ولا تقطعينا 😀

    @ aisha :

    بصراحة اختي لافض فوك بعد كلامك مالنا إضافة , و هذا ينطبق حتى على أمور أخرى كثيرة تأخذ على أنها من الدين و مع الوقت تحسب من العادات و التقاليد المحظور تجاوزها حتى لو أكل عليها الزمان و شرب !!!!!!

  8. رائد فرج Said:

    هلا عبدالرحمن كيف الحال؟ لك وجشه يا رجل 😛

    كفرد من المجتمع، أرى ان ارتداء النقاب او الحجاب خيار شخصي يخص المرأة ، فلها أن تستفت قلبها وعقلها فيما تراه مناسبا ولا تثريب عليها لاختلاف المذاهب في الحكم. المشكلة ليست في كشف الوجه، بل في تجميله بالمكياج وغيره فتصبح المرأة ملفته لنظر من حولها. هنا نخرج من دائرة خلاف الائمة الاربعة – رحمهم الله -.

  9. MSHARY S ALAKEEL Said:

    نحن ندمر الإسلام بالإسلام!

    “المهم أن المرأة تلبس ما لا يفتن الرجال ليس المهم شكل الملبس ” كما قال مصطفى السباعي. ولا ننسى أن الذين حاربوا مع الملك عبدالعزيز وبهم وحد مناطق المملكة هم من فئات متعصبة جدا إلى درجة أنهم كانوا يكفرون من لم يتماشى مع مذهبهم ويحولون شوارع البلاد إلى ساحات دماء وكان أهل الطائف و الحجاز يحرصون كل الحرص على أن لا يغزوا جماعة الأخوان بلادهم وأدرك الشريف حسين بن علي همجيتهم فأشترى مدافع ورشاشات من بريطانيا لصدهم . ولكن لأسباب وبداهة الملك عبدالعزيز تمكنوا من الدخول إلى بلاد الحجاز .

    سلما في مكة والمدينة .. وحربا مع جدة (وهذا على حسب كتاب الأشراف وبن سعود)

    وقد عانى الملك فتخلص منهم لجهلهم وجفافهم بالدين. ولكن ما زال رواسبهم موجودة في عقول أحفادهم والأجيال اللاحقة ونحن نعرف أننا مجبورين على دخول بكل ما يحتويه العصر الحديثد من تقنيات و صناعات ولذلك كانت محاولات صدها من قبل المتطرفين باتت بالفشل ..

    وحاضرنا الآن نشهد تغيرات في الفتاوى الدينية مثل ما يحصل في مسألة الأختلاط في الجامعات . ولا ندري حال المجتمع بعد خمس أو عشر سنوات . فأمور تتغير وقد تحصل المرأة ما تريد من حقوقها المهضومة. والعلاج لا يأتي من الزمن بل من مبادرة المظلومين والصبر مع مرور الزمن.

    يجب أن يكون هناك مواجهة سليمة مع المسؤولين وعامة الناس . والمجتمع و لله الحمد مقبلة بل أقبلت على تغييرات كثيرة وذلك بفضل المثقفين و المؤمنيين بما يملكون من قوة. ولا يفهم من كلامي أني أريد أن أعلن حربا ضد أي أحد وكما قلت المواجهة السليمة لأنك في أوساط المجتمع تتعامل مع عواطف ومن صفات الرجل العربي الغيرة حتى وإن لم يكن يعلم أن كشف وجهك أو قيادتك للسيارة لا يمس غيرته.

    فالحكمة في كل تحركاتك هو خير معين .


{ RSS feed for comments on this post} · { TrackBack URI }

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: